ولكن الخالق سبحانه وتعالى خرق لهم نظام الشمس حتى لا يزعجهم ضوؤها فجعلها { تَّزَاوَرُ } أي : تميل عند طلوعها عن الكهف ، ومنه الزُّور : أي الميل عن الحق ، وازورّ عن الشيء أي : مال عنه ، فكانت الشمس إذا طلعتْ تميل عن الكهف جهة اليمين .
{ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال } [ الكهف : 17 ] والقرْض كما هو معلوم أنْ تعطي غيرك شيئاً يحتاج إليه ، فكأن الشمس تقرضهم وتسلفهم ، كونها لا تدخل عليهم عند غروبها ، وهذا أمر ليس من حقهم ، فكأنها تقرضهم إياه . ولا شَكَّ أن هذه العملية مظهرٌ من مظاهر قدرة الله التي تصنع الشيء وضده .
ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل الفعل للشمس في تزاور وتقرضهم ، وكأنها تفعل ذلك من نفسها بعد أنْ ضبط الله تعالى حركتها على هذه الأفعال كما تضبط الآلة اليوم .
وقوله : { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ } [ الكهف : 17 ] أي : في الكهف { ذلك مِنْ آيَاتِ الله } [ الكهف : 17 ] وما دامت هذه الأفعال للشمس آيةً من آيات الله ، ومعجزة من معجزاته تعالى ، فإياك أنْ تعترضَ : كيف تميل الشمس ؟ وكيف تُغيِّر اتجاهها ؟ لأن الخالق سبحانه خلق الخَلْق ، وأعطى لكل مخلوق قانونه الذي يسير به ، ومع ذلك لم يترك لكل مخلوق أنْ يفعل بقانونه ما يريد ، بل له سبحانه وتعالى قيُّومية على القانون ، تبطله إنْ شاء ، وتحركه إنْ شاء .
ثم يقول تعالى : { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [ الكهف : 17 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8858
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٥٨