تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8811

مساهمون:

ص٨٨١١
لماذا ؟ لأنك حين تُقدِم على أيِّ فعل تحتاج أولاً إلى حكمة لتعرف من خلالها لماذا تفعل ، وتحتاج إلى قدرة تُعينك على إنجازه ، وتحتاج إلى علم بمصير هذا الفعل وعاقبته ، إذن : تحتاج إلى صفات كثيرة ، فحين تُقبِل على العمل لا تَقُل : يا حكيمُ يا قادرُ يا عليمُ ، إنما الحق سبحانه يُريحك ، ويكفي أن تقولَ في الإقدام على الفعل : باسم الله . لأنك ذكرتَ الاسم الجامع لكلِّ صفات الكمال . { أَوِ ادعوا الرحمن . . } [ الإسراء : 110 ] واختار الرحمن دون الجبار أو القهار ؛ لأن الرحمة صفة التحنين للخلق ، فالحق سبحانه وتعالى يُظهِر هذه الصفة لعباده حتى في أسماء الجبار والقهار ؛ لأنها من خَدَم الرحمة ومن أسبابها ؛ لأن العبد إذا عرف لله : صفة الجبروت ، وصفة القهر ، وصفة الانتقام انتهى عن أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصفات ، فكأنه يرحم عباده حتى بصفات القهر والانتقام . ومن هذا قول الحق تبارك وتعالى : { وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب . . } [ البقرة : 179 ] لأنه إذا علم القاتل أنه سيُقتل انتهى عن القتل . وفي الأثر : « القتل أنْفَى للقتل » . إذن : فتشريع القصاص وإقامة الحدود والعقوبات لا لتعذيب الخلق ، وإنما رحمة بهم حتى يقفوا بعيداً عن ارتكاب ما يُوجِب القصاص أو الحد أو العقوبة ، حتى الذي يقهره الله مرحوم أيضاً ؛ لأنه ما دام قال : أنا قهار . فاحذرني ، فهو بذلك يرحمه لأنه يُحذِّره من أسباب الوقوع فيما يستوجب غضبه وانتقامه . وكذلك اختار اسم { الرحمن } لأن مجال التكليف كله الرحمة ، وما نزل المنهج من الله إلا لينظم حياة الناس ويُحقِّق لهم السعادة في