تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8813

مساهمون:

ص٨٨١٣
أي : بعد أن خلق الخَلْق كل بسمائه وأرضه وما فيهما استوى على العرش ؛ لأن الاستواء على العرش يعني أن كل شيء تَمَّ له سبحانه خَلْقاً وإيجاداً ، وانتهى إلى الجلوس على العرش ، وهذا تمثيل بالملوك الذين لا يجلسون على العرش إلا بعد أنْ يستتبّ لهم الأمر ، فجلوس الملك على العرش يعني أنه الأوحد الذي لا يعارضه أحد . فالحق سبحانه ينبهنا بقوله : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمن فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } [ الفرقان : 59 ] واختار صفة الرحمة لِيُوحِي لنا أن قعوده على العرش لا يعني القَهْر والجبروت ، إنما قعد على عرشه رحمةً بكم ، قعد على العرش ليُنظّم حياتكم ، ويرحم بعضكم ببعض ، فتسعدوا بالحياة ، فالاستواء هنا لا استواءَ قهر وغلبة ، بل استواء رحمة لمصلحتكم أنتم . وفي آية أخرى قال : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] وقد ورد استواؤه سبحانه على العرش في سبعة مواضع في كتاب الله ، نظمها الناظم في قوله : وَذكْرُ اسْتواء الله في كَلماتِهِ . . . علَى العَرْشِ فِي سَبْع مَواضِعَ فَاعْدُدِ فَفِي سُورَة الأعرافِ ثمة يُونُس . . . وفي الرعْدِ مع طَه فلْلعَدِّ أكدِ وَفِي سُورة الفُرْقانِ ثمة سَجْدة . . . كَذَا فِي الحديدِ افْهَمُوا فَهْم مؤيَّد وكل صفة من صفات جلاله سبحانه إنما هي في خدمة رحمانيته ، لأنه يُخَوِّف عباده بصفات الجلال حتى لا يقعوا في المخالفة ، فيأخذوا نعمة الله في الدنيا ، ويسعدوا بها ، ويأخذوا نعيم الآخرة فيسعدوا بها ، فهي إذن الرحمانية المستولية والسمة العامة لمنهج الله في الدنيا والآخرة .