تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8779

مساهمون:

ص٨٧٧٩
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : { ظِلاًّ ظَلِيلاً } [ النساء : 57 ] فالظل نفسه مُظلَّل ، ونستطيع أن نلاحظ هذه الظاهرة إذا جلسنا في الحرِّ تحت شجرة ، فسوف نجد الهواء تحتها رَطباً بارداً ، لماذا ؟ لأن أوراق الشجر مُتراكمة يُظلّل بعضها بعضاً ، فتجد أعلاك طبقات متعددة من الظل ، فتشعر في النهاية بجو لطيف مُكيف تكييفاً ربانياً . إذن : قوله { مَسْحُوراً } تفيد أنه سحَر غيره ، أو سحره غيره ؛ لأن المسحور هو الذي أَلَمَّ به السحر ، إما فاعلاً له ، أو مفعولاً عليه . وهذه الكلمة قالها كفار مكة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } [ الإسراء : 47 ] والمسحور بمعنى المخبول الذي أثّر في السحر ، فصار مخبولاً مجنوناً ، وهذا كذب وافتراء على رسول الله من السهل رَدُّه وضَحْده . فإنْ كان ساحراً ، فكيف يسحره غيره ؟ ! ولماذا لم يسحركم كما سحر الذين آمنوا به ؟ لماذا تأبَّيتم أنتم على سحره فلم تؤمنوا ؟ وإنْ كان مسحوراً مَخْبُولاً ، والمخبول تتأتّى منه حركات وأقوال دون أنْ تَمُرّ على العقل الواعي الذي يختار بين البديلات ، فلا يكون له سيطرة على إراداته ولا على خُلقه ، فهل عهدكم بمحمد أنْ كان مَخبولاً ؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات ؟ لذلك رَدَّ الحق سبحانه عليهم هذا الافتراء بقوله تعالى : { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 1 - 4 ] والمجنون لا يكون على خُلُق أبداً .