تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8781

مساهمون:

ص٨٧٨١
والمثبور : الهالك ، أو الممنوع من كُلِّ خير ، وكأن الله تعالى أطْلعَ موسى على مصير فرعون ، وأنه هالكٌ عن قريب . وعلى هذا يكون المجنون على أية حال أحسن من المثبور ، فالمجنون وإنْ فقد نعمة العقل إلا أنه يعيش كغيره من العقلاء ، بل ربما أفضل منهم ، لأنك لو تأملتَ حال المجنون لوجدته يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء دون أنْ يتعرّض له أحد أو يُحاسبه أحد ، وهذا مُنْتَهى ما يتمناه السلاطين والحكام وأهل الجبروت في الأرض ، فماذا ينتظر القادة والأمر إلاَّ أن تكون كلمتهم نافذة ، وأمرهم مُطَاعاً ؟ وهذا كله ينعَم به المجنون . وهنا يقول قائل : ما الحكمة من بقاء المجنون على قَيْد الحياة ، وقد سلبه الله أعظم ما يملك ، وهو العقل الذي يتميز به ؟ نقول : أنت لا تدري أن الخالق سبحانه حينما سلبه العقل ماذا أعطاه ؟ لقد أعطاه ما لو عرفته أنت أيُّها العاقل لتمنيتَ أنْ تُجَنَّ ! ! أَلاَ تراه يسير بين الناس ويفعل ما يحلو له دون أنْ يعترضه أحد ، أو يؤذيه أحد ، الجميع يعطف عليه ويبتسم في وجهه ، ثم بعد ذلك لا يُحاسَب في الآخرة ، فأيُّ عِزٍّ أعظم من هذا ؟ إذن : سَلْب أيّ نعمة مساوية لنعم الآخرين فيها عطاء لا يراه ولا يستنبطه إلا اللبيب ، فحين ترى الأعمى مثلاً فإياك أنْ تظنّ أنك أفضل منه عند الله ، لا ليس مِنّا مَنْ هو ابنٌ لله ، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسب ، نحن أمام الخالق سبحانه سواء ، فهذا الذي حُرِم نعمة البصر عُوِّض عنها في حواس أخرى ، يفوقك فيها أنت أيها المبصر بحيث تكون الكِفَّة في النهاية مُسْتوية .
تفسير الشعراوي — صفحة 8781 | محمد متولي الشعراوي