{ ذَلِكَ } أي : ما حدث لهم من العذاب الذي تستبشعه أنت { جَزَآؤُهُم } أي : حاق بهم العذاب عَدْلاً لا ظُلْماً ، فإياك حين تسمع آيات العذاب هذه أن تأخذَك بهم رَأْفة أو رحمة ؛ لأنهم أخذوا جزاء عملهم وعنادهم وكفرهم ، والذي يعطف قلوب الناس على أهل الإجرام هو تأخير العقاب .
فهناك فَرْقٌ بين العقوبة في وقت وقوع الجريمة ، وهي ما تزال بشعةً في نفوس الناس ، وما تزال نارها تشتعل في القلوب ، فإنْ عاقبتَ في هذا الجو كان للعقوبة معنىً ، وأحدثتْ الأثر المرجوّ منها وتعاطفَ الناس مع المظلوم بدلَ أنْ يتعاطفوا مع الظالم .
فحين نُؤخِّر عقوبة المجرم في ساحات المحاكم لعدة سنين فلا شَكَّ أن الجريمة ستُنْسَى وتبرد نارها ، وتتلاشى بشاعتها ، ويطويها النسيان ، فإذا ما عاقبتَ المجرم فلن يبدو للناس إلاَّ ما يحدث من عقوبته ، فترى الناس يرأفون به ويتعاطفون معه .
إذن : قبل أن تنظر إلى : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب . . } [ النساء : 56 ]
وإلى : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } [ الإسراء : 97 ]
انظر إلى ما فعلوه ، واعلم أن هذا العذاب بعدل الله ، فأحذر أنْ تأخذك بهم رحمة ، ففي سورة النور يقول تعالى : { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين } [ النور : 2 ]
ثم يوضح سبحانه وتعالى حيثية هذا العذاب : { بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ
تفسير الشعراوي — صفحة 8764
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٦٤