بعد ذلك إجابة على ما هو فيه ، لكنه فُوجئ بالبعث وأهواله ، ولم يستطع حتى الاستفسار عَمَّا حوله ، وهكذا سبق البكَم الصَّمَم في هذا الموقف .
وهنا أيضاً اعتراض لبعض المستشرقين ومَنْ يُجارونهم مِمَّنْ أسلموا بألسنتهم ، ولم تطمئن قلوبهم لنور الله ، يقولون : القرآن يقول : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً .
. } [ الإسراء : 97 ] فينفي عنهم الرؤية ، وفي آيات أخرى يقول : { حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ . . } [ مريم : 75 ] { وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا . . } [ الكهف : 53 ]
فأثبت لهم الرؤية ، فكيف نجمع بين هذه الآيات ؟ والمتأمل في حال هؤلاء المعذَّبين في موقف البعث يجد أن العمى كان ساعة البعث ، حيث قاموا من قبورهم عُمْياً لِيتحققَ لهم الإذلال والحيرة والارتباك ، ثم بعد ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب الخاصة بهم ، وهكذا جمع الله عليهم الذل في الحاليْن : حال العمى وحال البصر .
لذلك يقول تعالى : { لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } [ ق : 22 ]
ثم يقول تعالى : { مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } [ الإسراء : 97 ] مأواهم : أي : مصيرهم ونهايتهم . خَبَتْ : خبت النار . أي : ضَعُفَت أو انطفأتْ ، لكن ما دام المراد من النار التعذيب ، فلماذا تخبو النار أو تنطفئ ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب ؟
المتأمل في الآية يجد أن خفوت النار وانطفاءها هو في حَدِّ ذاته
تفسير الشعراوي — صفحة 8761
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٦١