سيكونون في الآخرة سادة ، كما كانوا سادةً في الدنيا . وهؤلاء القوم يفهمون الحياة على ظاهرها ، فالحياة عندهم هي الحركة الحسية التي يمارسونها ، وبها يعيشون حياتهم هذه ، ولا يدركون أن لكل شيء حياةً تناسبه .
فمثلاً : علماء الجيولوجيا والحَفْريات يقولون : إن الأشياء المطمورة في باطن الأرض تتغّير بمرور الزمن ، وتتحول إلى موادّ أخرى ، إذن : ففيها حركة وتفاعل أو قُلْ فيها حياة خاصة بها تناسبها ، فليست الحياة قاصرة على حركتنا في الحياة الدنيا ، بل للحياة معنى آخر أوسع بكثير من الحياة التي يفهمها هؤلاء .
فالإنسان الحيّ مثلاً له في مظهرية أموره حالتان : حالة النوم وحالة اليقظة ، فحياته في النوم محكومة بقانون ، وحياته في اليقظة محكومة بقانون ، هذا وهو ما يزال حياً يُرزَق ، إذن : عندما نخبرك أن لك قانوناً في الموت وقانوناً في البعث فعليك أنْ تُصدِّق .
ألم تَرَ النائم وهو مُغْمَض العينين يرى الرؤيا ، ويحكيها بالتفصيل وفيها حركة وأحداث وألوان ، وهو يدرك هذا كله وكأنه في اليقظة ؟ حتى مكفوف البصر الذي فقد هذه الحاسة ، هو أيضاً يرى الرؤيا كما يراها المبصر تماماً ويحكيها لك ، يقول : رأيتُ كذا وكذا ، كيف وهو في اليقظة لا يرى ؟
نقول : لأن للنوم قانوناً آخر ، وهو أنك تدرك بغير وسائل الإدراك المعروفة ، ولك في النوم حياة مستقلة غير حياة اليقظة . أَلاَ ترى الرجلين ينامان في فراش واحد ، وهذا يرى رؤيا سعيدة مفرحة يصحو منها ضاحكاً مسروراً ، والآخر إلى جواره يرى رؤيا مؤلمة
تفسير الشعراوي — صفحة 8766
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٦٦