وكذلك من ألوان العذاب التي قد يظنُّها البعض لَوْناً من الراحة في جهنم والعياذ بالله ، أن الله تعالى يُبَدِّل جلودهم بجلود أخرى جديدة ، لا رحمةً بهم بل نكايةً فيهم ، كما قال تعالى : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب . . } [ النساء : 56 ]
لأن الجلود إذا نضجتْ وتفحَّمت امتنع الحِسُّ ، وبالتالي امتنعتْ إذاقة العذاب ، إذن : العلة من تبديل الجلود تجديد الحسِّ ليذوقوا العذاب إذاقةً مستديمة . ومنذ عهد قريب كانوا يظنون أن الحسَّ يأتي من المخ ، إلا أنهم لاحظوا على الإنسان إحساساً قبل أن يصل شيء للمخ .
فمثلاً : لو أشرت بإصبعك إلى عين إنسان تراه يُغمِض عينه قبل أنْ تلمسه ، وفسَّروا ذلك بما يسمونه العكس في النخاع الشوكي ، ثم توالت البحوث للتعرف على مناط الحسِّ في الإنسان أيْن هي ؟ إلى أن انتهت تلك الأبحاث إلى ما أخبر به القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان ، من أن الجلد هو مركز الإحساس في الإنسان ، بدليل أنك إذا أخذتَ حقنة مثلاً ، فبمجرد أن تخترق طبقة الجلد لا تشعر بألمها .
فمن أين عرف العرب هذه النظريات العلمية الدقيقة ؟ ومَنْ أخبر بها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؟ إنه لَوْنٌ من ألوان الإعجاز القرآني للعرب ولغيرهم .
ثم يقول الحق سبحانه : { ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا . . . } .
تفسير الشعراوي — صفحة 8763
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٦٣