تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8760

مساهمون:

ص٨٧٦٠
المسألة إرادة مريد لِيُوقع بهم غاية الذِّلَّة والهوان ، ويا ليتهم تنتهي بهم المهانة والمذلّة عند هذا الحدِّ ، بل : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً . . } [ الإسراء : 97 ] هذا استطراق لوسائل الإهانة ، ففضلاً عن مَشْيهم على الوجوه فهم عُمْي لا يروْنَ شيئاً ، ولا يهتدون ، وهم صُمٌّ لا يسمعون نداءً ، وهم بُكْمٌ لا يقدرون على الكلام ، ولك أنْ تتصوَّر إنساناً جمعت عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي ، بل في يوم البعث والنشور ، فإذا به يُفَاجأ بهْول البعث ، وقد سُدَّت عليه جميع منافذ الإدراك ، فهو في قلب هذا الهَوْل والضجيج ، ولكنه حائر لا يدري شيئاً ، ولا يدرك ما يحدث من حوله . ولنا هنا لفتة على هذه الآية ، فقد ورد في القرآن كثيراً : صُمٌّ بُكْم بهذا الترتيب إلا في هذه الآية جاءت هكذا : { وَبُكْماً وَصُمّاً } ومعلوم أن الصَّمَم يسبق البَكَم ؛ لأن الإنسان يحكي ما سمعه ، فإذا لم يسمع شيئاً لا يستطيع الكلام ، واللغة بنت السماع ، وهي ظاهرة اجتماعية ليستْ جنساً وليست دَمَاً . وسبق أنْ قُلْنا : إن الولد الإنجليزي إذا تربَّى في بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس ؛ لأن اللغة ليست جنساً ، بل ظاهرة اجتماعية تقوم على السماع ، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان . حتى العربي نفسه الذي يعيش في بيئة عربية ، إلا أنه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة المتقعِّرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها . لكن في هذه الآية جاء البكَم أولاً ، لماذا ؟ لأنه ساعة يُفاجأ بهوْلِ البعث والحشر كان المفروض أن يسأل أولاً عَمَّا يحدث ، ثم يسمع
تفسير الشعراوي — صفحة 8760 | محمد متولي الشعراوي