فأثبت للرسول رَمْياً ، ونفى عنه رَمْياً ، لكن إذا جاء هذا الكلام من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة مُنفكّة ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في غزوة بدر أخذ حَفْنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه ، وهذا هو الرّمْي الذي أثبتته الآية ، وقد تولَّتْ القدرة الإلهية إيصال ذرات هذه الحفنة إلى عيون الأعداء ، فأصابتهم جميعاً وشغلتْهم عن القتال ، وهذا هو الرَّمْي الذي نفاه الحق عن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
ولتقريب هذه المسألة : ابنك الذي تحمله على المذاكرة وتُرغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها أمامه ويُقلِّب فيها ليوهمك أنه يذاكر ، فإذا ما راجعت معه ما ذاكر لا تجدْه حصَّل شيئاً فتقول له : ذاكرتَ وما ذاكرت ، فتُثبِت له الحدث مرة ، وتنفيه عنه أخرى ؛ لأنه ذاكر شكلاً ، ولم يذاكر موضوعاً .
إذن : فالحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة ، ويختص مَنْ آمن بهداية المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج ، كما قال تعالى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ }
[ محمد : 17 ]
وقال عن الآخرين : { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } [ الصف : 7 ] لكن يهدي العادلين .
وقال : { والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين } [ الصف : 5 ] . . لكن يهدي الطائعين .
تفسير الشعراوي — صفحة 8756
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٥٦