تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8755

مساهمون:

ص٨٧٥٥
وعن الهداية يقول الحق سبحانه : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى . . } [ فصلت : 17 ] أي : دَلَلْناهم على الطريق المستقيم ، لكنهم استحبُّوا العمى والضلال على الهدى ، فمنع الله عنهم معونته وتوفيقه . والحق سبحانه يخاطب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأسلوبين قرآنيين يوضِّحان هذيْن النوعيْن من الهداية ، يقول تعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ . . } [ القصص : 56 ] فنفى عن رسول الله هداية التوفيق والمعونة ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا يملكها ، وفي آية أخرى قال تعالى : { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] فأثبتَ له هداية البيان والدلالة ؛ لأن هذه هي مهمته كمبلِّغ عن الله ، وهكذا أثبتَ له الحدث ونفاه عنه ؛ لأن الجهة مُنفكَّة أي : أن جهة الإثبات غير جهة النفي ، كما في قوله تعالى : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا . . } [ الروم : 6 - 7 ] فمرة : نفَى عنهم العلم ، ومرة أخرى : أثبتَ لهم العلم . والمراد أنهم لا يعلمون حقائق الأمور ، ولكنهم يعلمون العلوم السطحية الظاهرة منها . ونحن نكرّر مثل هذه القضايا لكي تستقرّ في النفس الإنسانية ، وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها . ومن ذلك أيضاً قول الحق سبحانه : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى . . } [ الأنفال : 17 ]