فنقول : صعد إلى الهاوية ، وانحدر إلى القمة . ومع هذا التنزُّل لم يستطيعوا الإتيان بمثل آية واحدة من كتاب الله .
ويجب أن نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدّي ، فليس الهدف منه تعجيز القوم ، بل أن نثبت لهم السواسية بين الخَلْق ، فالجميع أمام الإله الواحد سواء ، وهذه هي القضية التي تُزعجهم وتقضّ مضاجعهم ، والقرآن سيثبت لهم صِدْق محمد ، وسيرفع من مكانته بين القوم ، وهم الذين يحاولون إيذاءه ويُدبِّرون لقتله .
ولذلك من غبائهم أن قالوا : { لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ]
إذن : فاعتراضهم ليس على القرآن في حَدِّ ذاته ، بل على محمد الذي نزل القرآن عليه ، فهم يحسدونه على هذه المكانة ، كما قال تعالى : { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ . . } [ النساء : 54 ]
وسبحان الله ، إذا كان الخَلْق يختلفون أمام رحمة الله في مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب وسَعْي واجتهاد ، فكيف بالأمر الذي ليس في أيديهم ؟ كيف يريدون التدخُّل فيه : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ . . } [ الزخرف : 32 ]
ثم يتحدث الحق سبحانه عن طبيعة الأداء القرآني ، فيقول : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ . . } .
التصريف : هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8732
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٣٢