الرسالة المحمدية للناس كافة ، وجاءت معجزته في البلاغة والفصاحة ليتحدَّى بها قومه من العرب ، فما لَوْنُ الإعجاز لغير العرب ؟
نقول : أولاً : إذا كان العرب ارتاضوا على الملَكَة العربية وأساليبها قد عجزوا أمام هذا التحدي ، فغيرهم مِمَّنْ اتخذ العربية صناعة لا شكَّ أعجز .
ثانياً : مَنْ قال إن المعجزة في القرآن في فصاحته وبلاغته فقط ؟
لقد جاءت بلاغة القرآن وفصاحته للأمة المتلقِّية للدعوة الأولى ، هؤلاء الذين سيحملون عِبْءَ الدعوة ، ويَسِيحُون بها في شتى بقاع الأرض ، فإذا ما انتشرت الدعوة كانت المعجزة للناس الآخرين من غير العرب شيئاً آخر .
فالغيبيات التي يخبرنا بها ، والكونيات التي يُحدّثنا عنها ، والتي لم تكُنْ معلومة لأحد نجدها موافقة تماماً لما جاء به القرآن ، وهو مُنزِّل على نبي أُميٍّ ، وفي أُمة أُميّة غير مثقفة ، فهذه كلها نواحي إعجاز للعرب ولغيرهم ، وما زِلْنا حتى الآن نقف أمام آيات ، وننتظر من العلم أنْ يكشفَ لنا عن معناها .
وفي الماضي القريب توصّل العلم إلى أن الذرة أصغر شيء في الوجود ، وقد ذكر القرآن الذرة في مثل قوله : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 - 8 ]
وبتقدُّم وسائل البحث توصَّلوا إلى تفتيت الذرة أو شطرها ، ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة ، فظنّ البعض أن هذه لا ذِكْر لها في القرآن ، وظنوا أنهم تصيَّدوا على القرآن مأخذاً ، ولو أمعنوا
تفسير الشعراوي — صفحة 8729
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٢٩