والحق سبحانه أنزل القرآن ، وجعله المعجزة الوحيدة لصدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وهو المعجزة الوحيدة لكل أمة الإسلام من لَدُن رسول الله إلى قيام الساعة . وهذا لا يمنع أن توجد معجزات كونية حدثتْ لرسول الله ليراها القوم الذي عاصروه ، ومِثْل هذه المعجزات لا نطالب بها نحن ، ولا نطالب بالإيمان بها ، إلا إذا وردتْ من صادق معصوم ؛ لأن الهدف من هذه المعجزات تثبيت الإيمان برسول الله في نفوس مَنْ شاهدوها ، فنُبوع الماء من بين أصابعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وكَوْنُ الشجرة تسعى إليه والحيوان يُكلِّمه ، فالمقصود بهذه المعجزات مَنْ شاهدها وعاصرها ، لا مَنْ أتى بعد عصره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
وفي القرآن خاصية تفرّد بها عن الكتب السابقة ، حيث نزل جامعاً بين أمرين : أنه منهج سماوي يُنظِّم حركة الحياة ، وهو في الوقت نفسه معجزة مصاحبة للمنهج لا تنفكّ عنه إلى قيام الساعة .
أما الكتب السابقة فكانت تأتي بمنهج فقط ، أما المعجزة فشئ آخر منفصل عن الكتاب ، فمعجزة موسى العصا واليد وكتابه التوراة ، ومعجزة عيسى إبراء الأكمة والأبرص ، وكتابه الإنجيل ، أما محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد انفرد بأن تكون معجزته هي منهجه .
لذلك لما طلب كفار مكة من رسول الله أنْ يُفسِح لهم جبال مكة ، ويُوسِّع عليهم الأرض ، وأنْ يُحيي لهم موتاهم ليشهدوا بصدقه ، خاطبهم الحق سبحانه بقوله : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً . . } [ الرعد : 31 ]
أي : كان في القرآن غَنَاءٌ لكم عن كُلِّ هذه المسائل .
وقد اعترض المستشرقون على هذه القضية ، فقالوا : إنْ كانت
تفسير الشعراوي — صفحة 8728
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٢٨