تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8727

مساهمون:

ص٨٧٢٧
القرآن كما استمعت إليه البشر : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } [ الجن : 1 - 2 ] والتحدِّي معناه الإتيان بآية معجزة يعجز عنها المعارض ، لكن من جنس ما نبغ فيه المعارض ، فلا يتحدّاهم بشيء لا عِلْم لهم به ، ولا خبرة لهم فيه ؛ لأنه لا معنى للتحدي في هذه الحالة ولا جدوى منه ، كما لو تحدَّيْتَ إنساناً عادياً برفع الأثقال ولم يسبق له أن ارتاض هذه الرياضة ، إنما تتحدَّى بها بطلاً معروفاً عنه ممارسة هذه العملية . لذلك جاءت كل معجزات الرسل من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدِّي في محلِّه ، ولا يعترضون عليه بأنه خارج عن نطاق علمهم ومقدرتهم ، فكانت معجزة موسى عليه السلام العصا واليد ، وهي من جنس ما نبغ فيه قومه من السِّحْر ، وجاءت معجزة عيسى عليه السلام إحياء الموتى بإذن الله ، وإبراء الأكمة والأبرص ؛ لأن قومه نبغوا في الطب ، وكانت معجزته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في البلاغة والفصاحة التي نبغ فيها العرب . وقد اقترح كفار مكة على رسول الله آيات معينة لإثبات صِدْق رسالته ، لكن الآيات لا تُقترح على الله تعالى ؛ لأنه سبحانه هو الذي يختار الآيات التي تناسب الطباع وتكون معجزة تثبت صِدْق رسوله ، وقد اقترحوا على رسول الله آيات ومعجزاتٍ في مجالات لا عِلْم لهم بها ، فكيف يتحدّاهم الله في مجال لا نبوغَ لهم فيه ، وليس لهم دراية به ؟