والمحسن هو الذي دخل مقام الإحسان ، بأن يزيد على ما فرضه الله عليه ، ومن جنس ما فرض ؛ لذلك جاءت حيثية الإحسان : { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [ الذاريات : 17 - 18 ]
وهذا المقام ليس فرضاً عليك ، فلك أن تصلي العشاء وتنام حتى صلاة الفجر ، لكن إنْ أردت أن تتأسَّى برسول الله وتتشبّه به فادخُلْ في مقام الإحسان على قَدْر استطاعتك .
ثم يقول تعالى : { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } [ الإسراء : 79 ]
تحدثتْ الآية في أولها عن التكليف ، وهذا هو الجزاء ، و { عسى } تدل على رجاء حدوث الفعل ، وفَرْق بين التمني والرجاء ، التمني : أن تعلن أنك تحب شيئاً لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل ، ومن ذلك قول الشاعر :
لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأنْظِمُهَا . . . فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه ، وهذا أمر مستحيل الحدوث .
وقوله :
أَلاَ لَيْتَ الشَّباب يعُودُ يَوْماً . . . فَأُخبرُه بِمَا فَعَلَ المشيِبُ
أما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث .
ويقع تحت الطلب أشياء متعددة ؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئاً غير ممكن الحدوث فهو تمنٍّ ، وإن طلب شيئاً ممكن الحدوث فهو ترجٍّ ، وإنْ طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما تقول : أين زيد ؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة .
تفسير الشعراوي — صفحة 8703
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٠٣