وكفار مكة يعلمون أن في خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكة راحة لهم ، وحتى لا يكون أُسْوة لعبيدهم ولضعاف القوم الذين أحبوه ، ومالوا لاعتناق دينه والإيمان به .
ثم يقول تعالى : { وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 76 ]
أي : لو أخرجوك من مكة فلن يلبثوا فيها بعدك إلا قليلاً ، وقد حدث فعلاً ، فبعد خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكة بعام جاءت بدر ، فقُتِل سبعون من صناديد قريش ، وأُسِرَ سبعون ، وبعد أن خرج الرسول من مكة لم يتمتعوا فيها بالنعيم ولا بالسيادة التي كانوا يَرجُونها بعد خروجه .
ثم يقول الحق سبحانه : { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا . . } .
يُوضِّح الحق تبارك وتعالى أن ما حدث هو سُنة من سُنن الله في الرسل ، كما قال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } [ الصافات : 171 - 173 ]
فكأن عليهم أنْ يأخذوا عِبْرة من الرسل السابقين ، وبما حلَّ بأعدائهم من عذاب الله ، لقد أرسل الله الرسل فكُذِّبوا وعُودوا واضطهِدُوا ، ومع ذلك نصرهم الله ، وجعل لهم الغَلبة .
والسُّنة : هي العادة والطريقة التي لا تتخلَّف ولا تتبدَّل ؛ لذلك يقول بعدها : { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [ الإسراء : 77 ] ؛ لأن السُّنة لا تتحوّل ولا تتبدّل إلا بالأقوى الذي يأتي ليُغير السنة بأخرى من عنده ، فإذا كانت السُّنة من الله القوي بل الأقوى ، فهو سبحانه وحده
تفسير الشعراوي — صفحة 8694
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٩٤