ومعنى : { تَرْكَنُ } من ركون الإنسان إلى شيء يعتصم به ويحتمي ، والناس يبنون الحوائط ليحموا بها ممتلكاتهم ، وإذا احتمى الإنسان بجدار فأسند ظهره إليه مَثلاً فقد حَمَى ظهره فقط ، وأمن أنْ يأتيه أحد من ورائه ، فإنْ أراد أنْ يحميَ جميع جهاته الأربع ، فعليه أن يلجأ إلى رُكْن وأنْ يسند ظهره إلى الركن فيأمن من أمامه ، ويحتمي بجدار عن يمينه وجدار عن شماله . إذن : الركون أن تذهب إلى حِرْز يمنعك من جميع جهاتك .
ومن الركون قوله تعالى عن لوط عليه السلام مع قومه : { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ] أي : أحتمي به وألجأ إليه .
والحق سبحانه في هذه الآيات يريد أنْ يستلَّ السخيمةَ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من قلوب أعدائه ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان حريصاً على هدايتهم وتأليف قلوبهم ، وقد كان يشقُّ على نفسه ويُحمّلها ما لا يطيق في سبيل هذه الغاية ، ومن ذلك ما حدث من تَرْكه عبد الله بن أم مكتوم الذي جاءه سائلاً ، وانصرافه عنه إلى صناديد قريش ؛ لذلك عتب عليه ربه تبارك وتعالى لأنه شقَّ على نفسه .
وكأن الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يقول : يا قوم إنْ لم يوافقكم محمد على ما كنتم تريدون منه الانصراف عَمَّا أُنزِل إليه من ربه ، فاعذروه ؛ لأن الأمر عندي والتثبيت مني ، ولا ذنب لمحمد فيما خالفكم فيه ، كما لو كان عندك خادم مثلاً ارتكب خطأ ما ، فأردت أنْ تتحمل عنه المسؤولية ، فقلت : أنا الذي كلفتُه بهذا وأمرتُه به ، فالأمر عندي وليس للخادم ذنب فيما فعل .
تفسير الشعراوي — صفحة 8691
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٩١