رسوله ، وينقل المسألة من ساحة الرسول إلى ساحته تعالى ، لكي لا تكون عداوة بين محمد وقومه ، فالأمر ليس من عند محمد بل من عند الله ، يقول تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ]
فلا تحزن يا محمد ، فأنت مُصَدَّق عندهم ، لكن المسألة عندي أنا ، وهكذا يتحمل الحق سبحانه الموقف عن رسوله حتى لا يحمل القوم ضغينة لرسول الله .
ثم يقول تعالى : { وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } [ الإسراء : 73 ]
الخليل : هو المخالّ الذي بينك وبينه حُبٌّ ومودّة ، بحيث يتخلل كل منكما الآخر ويتغلغل فيه ، ومنه قوله تعالى في إبراهيم : { واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [ النساء : 125 ]
ومنه قول الشاعر :
وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جَهْدَهُ . . . خَليليْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا
كأنَّ خَليِلاً فِي خِلاَلِ خَليِلِه . . . تَسَرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وَغَابَا
فإذا ما تقابل الخليلان ذاب كل منهما في صاحبه أو تخلَّله ودخل فيه .
فالمعنى : لو أنك تنازلتَ عن المنهج الذي جاءك من الله لَصِرْتَ خليلاً لهم ، كما كنت خليلاً لهم من قبل ، وكانوا يحبونك ويقولون عنك « الصادق الأمين » . إذن : الذي جعلهم في حالة عداء لك هو منهج الله جئتَ به ، فلو تنازلتَ عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلاً ، فلا تكُنْ خليلاً لهم بل خليلاً لربك الذي أرسلك .
ويخاطب الحق سبحانه رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فيقول :
تفسير الشعراوي — صفحة 8689
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٨٩