{ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } .
{ وَلَوْلاَ } أداة شرط إن دخلت على الجملة الاسمية ، وتفيد امتناع وجود الجواب لوجود الشرط ، ويسمونها حرف امتناع لوجود ، كما لو قلت : لولا زيدٌ عندك لَزُرْتُكَ ، فقد امتنعت الزيارة لوجود زيد .
فإنْ دخلت ( لولا ) على الجملة الفعلية أفادتْ الحثَّ والحضَّ ، كما في قوله تعالى : { لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ . . } [ النور : 13 ]
و ( لولا ) في الآية دخلتْ على جملة اسمية ؛ لأن ( أن ) بعدها مصدرية ، فالمعنى : لولا تثبتنا لك لقاربتَ أن تركنَ إليهم شيئاً قليلاً .
والمتأمل في هذه الآية يجدها تحتاط لرسول الله عدة احتياطات ، فلم تقُلْ : لولا تثبتنا لك لَركنتَ إليهم ، لا ، بل لَقاربتَ أنْ تركنَ فمنعتْ مجرد المقاربة ، أما الركون فهو أمر بعيد وممنوع نهائياً وغير مُتصوّر من رسول الله ، ومع ذلك أكّد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله : { شَيْئاً قَلِيلاً } [ الإسراء : 74 ] أي : ركوناً قليلاً .
مما يدلُّ على أن طبيعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى دون الوحي من الله طبيعة سليمة بفطرتها ، فلو تصوَّرنا عدم التثبيت له من الله ماذا كان يحدث منه ؟ يحدث مجرد ( كاد ) أو ( قَرُب ) أنْ يركنَ إليهم شيئاً قليلاً ، وقلنا : إن المقارنة تعني مشروعَ فِعْل ، لكنه لم يحدث ، مِمّا يدلُّ على أن لرسول الله ذاتية مستقلة .
ومعنى { ثَبَّتْنَاكَ . . } [ الإسراء : 74 ] التثبيت هو منع المثبَّت أنْ يتأرجح ، لذلك نقول للمتحرك : أثبت .
تفسير الشعراوي — صفحة 8690
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٩٠