من الرؤيا المنامية إلى الرؤية البصرية ، وكأن الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلاً على صدقه ، فيقولون : نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة ؟ فلو كانت هذه الحادثة مناماً ما قالوا هذا الكلام .
لكن ، ما الحكمة من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث ؟
الحكمة تمحيص الناس وصَهْرهم في بوتقة الإيمان لنميز الخبيث من الطيب ، والمؤمن من الكافر ، فلا يبقى في ساحتنا إلا صادق الإيمان قويُّ العقيدة ، لأن الله تعالى لا يريد أن يسلم منهجه الذي سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، إلا إلى قوم موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلاً لحمل هذه الرسالة .
فكان الإسراء هو هذه البوتقة التي ميَّزَتْ بين أصالة الصِّدِّيق حينما أخبروه أن صاحبك يُحدِّثنا أنه أتى بيت المقدس ، وأنه عُرِج به إلى السماء وعاد من ليلته ، فقال : « إنْ كان قال فقد صدق » هكذا من أقرب طريق ، فميزان الصدق عنده مجرد أن يقول رسول الله . وكذلك ميزت الزَّبَد الذي زلزلته الحادثة وبلبلته ، فعارض وكذب .
ثم يقول تعالى : { والشجرة الملعونة فِي القرآن } [ الإسراء : 60 ]
أي : وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنةً للناس أيضاً ، وإنْ كانت الفتنة في الإسراء كامنَة في زمن حدوثه ، فهي في الشجرة كامنة في أنها تخرج في أصل الجحيم ، في قَعْر جهنم ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8650
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٥٠