وآخر يقول : بل هو طفل صغير ، وكذلك منا مَنْ يرى أنه نذير ، وآخر يرى أنه بشير . إذن : لقد اتفقنا جميعاً في التعقُّل ، ولكن اختلفنا في التصوُّر .
فلو أن الفلاسفة وقفوا عند مرحلة التعقُّل في أن وراء المادة شيئاً ، وتركوا لمن وراء المادة أنْ يُظهر لهم عن نفسه لأراحوا واستراحوا ، كما أننا لو قُلْنا للطارق : مَنْ ؟ لقال : أنا فلان ، وجئت لكذا ، وانتهتْ المسألة .
ولقد رَدَّ عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم : { أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } [ الإسراء : 49 ]
بقوله تعالى : { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ فأنى تُؤْفَكُونَ } [ يونس : 34 ]
وبقوله تعالى : { يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } [ الأنبياء : 104 ]
وبقوله تعالى : { وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . } [ الروم : 27 ] فإعادة الشيء أهون من خَلْقه أَوّلاً .
وقف الفلاسفة طويلاً أمام قضية البعث ، وأخذوا منها سبيلاً
تفسير الشعراوي — صفحة 8598
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٩٨