تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8597

مساهمون:

ص٨٥٩٧
وكلمة « العقل » نفسها من العقال الذي يمنع شرود البعير ، وكذلك العقل جعله الله ليضبط تفكيرك ، ويمنعك من الجموح أو الانحراف في التفكير . وأيضاً ، فالعقل وسيلة الإدراك ، مثله مثل العين التي هي وسيلة الرؤية ، والأذن التي هي وسيلة السمع . . وما دام العقل آلة من آلات الإدراك فله حدود ، كما أن للعين حدوداً في الرؤية ، وللأذن حدوداً في السمع ، فللعقل حدود في التفكير أيضاً حتى لا يشطح بك ، فعليك أنْ تضبط العقل في المجال الذي تُجوِّد فيه فقط ، ولا تُطلق له العنان في كُلِّ القضايا . ومن هنا تعب الفلاسفة وأتعبوا الدنيا معهم ؛ لأنهم خاضوا في قضايا فوق نطاق العقل ، وأنا أتحدى أي مدرسة من مدارس الفلسفة من أول فلاسفة اليونان أن يكونوا متفقين على قضية إلا قضية واحدة ، وهي أن يبحثوا فيما وراء المادة ، فَمنِ الذي أخبرك أن وراء المادة شيئاً يجب أن يُبحث ؟ لقد اهتديتُم بفطرتكم الإيمانية إلى وجود خالق لهذا الكون ، فليس الكون وليد صدفة كما يقول البعض ، بل له خالق هو الغيبيات التي تبحثون عنها ، وتَرْمَحُون بعقولكم خلفها ، في حين كان من الواجب عليكم أنْ تقولوا : إن ما وراء المادة هو الذي يُبين لنا نفسه . لقد ضربنا مثلاً لذلك ولله المثل الأعلى وقلنا : هَبْ أننا في مكان مغلق ، وسمعنا طَرْق الباب فكلنا نتفق في التعقُّل أن طارقاً بالباب ، ولكن منا مَنْ يتصور أنه رجل ، ومنا مَنْ يتصوّر أنه امرأة ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8597 | محمد متولي الشعراوي