قوله تعالى : { أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ . . } [ الإسراء : 51 ] أي : هاتوا الأعظم فالأعظم ، وتوغّلوا في التحدِّي والبُعْد عن الحياة ، فأنا قادر على أنْ أهبَ له الحياة مهما كان بعيداً عن الحياة على إطلاقها .
وقوله : { مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ . . } [ الإسراء : 51 ]
يكبر : أي يعظُم مِنْ كَبُر يكْبُر . ومنه قوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } [ الكهف : 5 ] أي : عَظُمت . والمراد : اختاروا شيئاً يعظم استبعادُ أن يكون فيه حياة بعد ذلك ، وغاية ما عندهم في بيئتهم الحجارة والحديد ، فَهُما أبعد الأشياء عن الحياة ، وقد اتفقوا على ذلك فليس في محيط حياتهم ما هو أقسى من الحجارة والحديد . ولكن الحق سبحانه وتعالى ارتقى بهم في فَرْضية الأمر إلى أنْ يختاروا وتجتمع نفوسهم على شيء ، يكون أعظمَ استبعاداً من الحجارة والحديد .
ونلاحظ في قوله تعالى : { مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ . . } [ الإسراء : 51 ] جاء هذا الشيء مُبْهَماً ؛ لأن الشيء العظيم الذي يعظُم عن الحجارة والحديد استبعاداً عن أصل الحياة مختلفٌ فيه ، فإن اتفقوا في أمر الحجارة والحديد فقد اختلفوا في الأشياء الأخرى ، فجاءت الآية مُبْهمة ليشيع المعنى في نفس كُلّ واحد كل على حَسْب ما يرى .
بدليل أنهم حينما سألوا الإمام علياً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وكرّم الله وجهه عن أقوى الأجناس في الكون ، وقد علموا عن الإمام عليّ سرعة البديهة والتمرُّس في الفُتْيَا ، فأرادوا اختباره بهذا السؤال الذي
تفسير الشعراوي — صفحة 8601
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٠١