ولا يجرؤن على ذلك ولا يتهمونك ، إنما المسألة أنهم يجحدون بآياتي ، وكُلٌّ تصرفاتهم في مقام الألوهية ، وفي مقام النبوة ، وفي مقام الكتاب ناشئة عن الظلم .
وقولهم عن رسول الله : مجنون قوْلٌ كاذب بعيد عن الواقع ؛ لأن ما هو الجنون ؟ الجنون أن تُفسِد في الإنسان آلة التفكير والاختيار بين البدائل ، والجنون قد يكون بسبب خَلْقي أي : خلقه الله تعالى هكذا ، أو بسبب طارئ كأنْ يُضربَ الإنسان على رأسه مثلاً ، فيختلّ عنده مجال التفكير .
ومن رحمة الله تعالى بالعبد أن أخَّرَ له التكليف إلى سِنَّ البلوغ واكتمال العقل ، وحتى يكون قادراً على إنجاب مثله ؛ لأنه لو كلّفه قبل البلوغ فسوف تطرأ عليه تغييرات غريزية قد يحتج بها ، ومع ذلك طلب من الأب أن يأمر ابنه بالصلاة قبل سِنِّ التكليف لِيُعَوِّده الصلاة من الصغير ليكون على إِلْفٍ بها حين يبلغ سِنّ التكليف ، وليألف صيغة الأمر من الآمر .
والإنسان لا يشك في حُبّ أبيه وحِرْصه على مصلحته ، فهو الذي يُربّيه ويُوفّر له كل ما يحتاج ، فله ثقة بالأب المحس ، فالحق سبحانه يريد أنْ يُربِّبَ فينا الطاعة لمن نعلم خيره علينا ، فإذا ما جاء وقت التكليف يسهل علينا ولا يشق ؛ لأنها أصبحتْ عادة .
والذي أعطى للأب حَقَّ الأمر أعطاه حَقّ العقاب على ترْكه ليكون التكليف من الرب الصغير ، والعقوبة من الرب الصغير لِتُعوِّده بالأُبُوة
تفسير الشعراوي — صفحة 8586
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٨٦