فمرّة قُلْتم : ساحر . ومرة قلتم : مسحور . وهذا دليل التخبُّط واللَّجج ، فإن كان ساحراً فعندكم من السحرة كثيرون ، فلماذا لا يُواجِهونه بسحر مثل سِحْره ؟ ولماذا لم يسحركم أنتم كما سحر غيركم وتنتهي المسألة ؟ وهل يمكن أن يُسْحر الساحر ؟
وإنْ كان مسحوراً سحره غيره ، فهل جرَّبْتُم عليه في سحره كلاماً مخالفاً لواقع ؟ هل سمعتموه يهذي كما يهذي المسحور ؟ إذن : فهذا اتهام بطل وقول كاذب لا أصل له ، بدليل أنكم تأبَّيتم عليه ، ولم يُصِبْكم منه أذى .
فلما أخفقوا في هذه التهمة ذهبوا إلى ناحية أخرى فقالوا : شاعر ، وبالله أَمِثْلُكم أيها العرب ، يا أربابَ اللغة والفصاحة والبيان يَخْفي عليه أن يُفرِّق بين الشعر والنثر ؟ والقرآن وأسلوب متفرد بذاته ، لا هو شعر ، ولا هو نثر ، ولا هو مسجوع ، ولا هو مُرْسل ، إنه نسيج وحده .
لذلك نجد أهل الأدب يُقسِّمون الكلام إلى قسمين : كلام الله وكلام البشر ، فكلام البشر قسمان : شعر ونثر ويخرج كلام الله تعالى من دائرة التقسيم ؛ لأنه متفرد بذاته عن كل كلام .
فلو قرأت مثلاً في كتب الأدب تجد الكاتب يقول : هذا العدل محمود عواقبه ، وهذه النَّبْوة غُمّة ثم تنجلي ، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه ، أو تأخر غير ضنين غناؤه ، فأبطأُ الدِّلاَء فَيْضاً أحفلُها ، وأثقل السحائب مَشْياً أحفلها ، ومع اليوم غد ، ولكلِّ أجل كتاب ، له الحمد على احتباله ، ولا عتب عليه في احتفاله .
فإِنْ يَكن الفِعْلُ الذي سَاءَ وَاحِداً . . . فأَفْعالُه الَّلائِي سُرِرْنَ أُلُوفُ
تفسير الشعراوي — صفحة 8583
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٨٣