أَلاَ ترى أن المجنون كذلك يقول ويفعل ما يريد ، ثم يمتاز عنك أن لا يسأل في الدنيا ولا في الآخرة ؟ أليست هذه كافية لتُعوِّضه عن فقد العقل ؟ فلا تنظر إلى ما سلب منه ، ولكن إلى ما أعطاه من مَيْزات في الدنيا والآخرة .
وقوله تعالى : { فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } [ الإسراء : 48 ]
أي : لم يستطيعوا أنْ يأتُوا بمثَلٍ يكون صَاداً وصارفاً لمن يؤمن بك أنْ يؤمن ، فقالوا : مجنون وكذبوا . وقالوا : ساحر وكذبوا وقالوا : شاعر وكذبوا . وقالوا : كاهن وكذبوا . فَسُدّتْ الطرق في وجوههم ، ولم يجدوا مَنْفَذاً لِصَدِّ الناس عن رسول الله .
فلما عجزوا عن إيجاد وَصْف يصدُّ مَنْ يريد الإيمان برسول الله ، قالوا : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ]
ومنهم من قال : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ]
فلم يستطيعوا إيجاد سبيل يُعَوقون به دعوتك ، بدليل أنه رغم ضَعْف الدعوة في بدايتها ، ورغم اضطهادهم لها تراها تزداد يوماً بعد يوم ، وتتسع رُقْعة الإيمان ، أما كَيْدهم وتدبيرهم فيتجمّد أو يقلّ .
كما في قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا . . } [ الرعد : 41 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8588
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٨٨