تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8581

مساهمون:

ص٨٥٨١
ثم تأتي الحالة الثالثة من أحوالهم : { إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } [ الإسراء : 47 ] وهذا هو القول المعْلَن عندهم ، أن يتهموا رسول الله بالسحر مرة ، وبالجنون أخرى ، ومرة قالوا : شاعر . وأخرى قالوا : كاهن . وهذا كله إفلاس في الحجة ، ودليل على غبائهم العقديّ . وكلمة { مَّسْحُوراً } اسم مفعول من السحر ، وهي تخييل الفِعْل . وليس فعلاً ، وتخييل القَوْل وليس قولاً ، فهي صَرْف للنظر عن إدراك الحقائق ، أما الحقائق فهي ثابتة لا تتغير . لذلك نقول : إن معجزة موسى عليه السلام من جنس السحر وليست سِحْراً ؛ لأن ما جرى فيها كان حقيقة لا سِحْراً ، فقد انقلبتْ العصا حَيَّة تبتلع حبال السحرة وعِصيّهم على وَجْه الحقيقة ، لكن لما كانت المعجزة في مجال السحر ظنها الناسُ سِحْراً ؛ لأن القرآن قال في سحرة فرعون : { سحروا أَعْيُنَ الناس } [ الأعراف : 116 ] وقال في آية أخرى : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } [ طه : 66 ] إذن : فحقيقة الأشياء ثابتة لا تتغير ، فالساحر يرى العصا عصا ، أما المسحور فيراها حية ، وليست كذلك مسألة موسى عليه السلام وليؤكد لنا الحق سبحانه هذا المعنى ، وأن ما حدث من موسى ليس من سحرهم وتغفيلهم أنه حينما قال له : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى } [ طه : 17 ] فأطال موسى عليه السلام الكلام ؛ لأنه أحب الأُنْس بالكلام