مُعْجبين بالقرآن إعجاباً بيانياً بلاغياً بما في طباعهم من مَلَكات عربية .
فيُرْوَى أن كباراً مثل : النضر بن الحارث ، وأبي سفيان ، وأبي لهب كانوا يتسللون بعد أن ينام الناس ممن كانوا يقولون لهم : { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ } [ فصلت : 26 ] كانوا يذهبون إلى البيت يتسمَّعون لقراءة القرآن ، ولماذا يحرمون أنفسهم من سماع هذا الضرب البديع من القول ، وقد حرموا مواجيدهم وقلوبهم منه ، فكانوا عند انصرافهم يرى بعضهم بعضاً مُتسلّلاً مُتخفّياً ، فكانوا مرة يكذبون على بعضهم بحجج واهية ، ومرة يعترفون بما وقعوا فيه من حُبٍّ لسماع القرآن .
فقال تعالى : { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ . . } [ الإسراء : 47 ]
أي : بالحال الذي يستمعون عليه ، إذ يستمعون إليك بحال إعجاب . ثم : { وَإِذْ هُمْ نجوى . . } [ الإسراء : 47 ] من التناجي وهو الكلام سِرّاً ، أو : أن نَجْوى جمع نجى ، كقتيل وقَتْلى ، وجريح وجَرْحى .
فالمعنى : نحن أعلم بما يستمعون إليه ، وإذ هم متناجون أو نجوى ، فكأن كل حالهم تناجٍ .
وقوله : { وَإِذْ هُمْ نجوى . . } [ الإسراء : 47 ]
فيه مبالغة ، كما تقول : رجل عادل ، ورجل عَدْل .
ومِنْ تناجيهم مَا قاله أحدهم بعد سماعه لآيات القرآن : « والله ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسلفه لمغدق ، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه » .
تفسير الشعراوي — صفحة 8580
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٨٠