{ وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير } [ المجادلة : 8 ]
فكان عليهم أن يتدبروا هذا القول : فهم قالوا في أنفسهم ، ولم يقولوا لأحد ، فمَنْ أخبر محمداً بهذا القول الذي لم يخرج إلى عالم الواقع ، ومَنْ أطلعه عليه ؟ أَلاَ يدعوهم هذا الإعلام بما يدور في نفوسهم إلى الإيمان بالله ؟
وما دام الحق سبحانه يعلم كل الأحوال ، ولا يَخْفَى عليه شيء ، فهو أعلم بأحوالهم هذه : الأول : يستمعون إليك . والثاني : وإذ هم نجوى . والثالث : إذ يقول الظالمون . إذن : هم يستمعون ثم يتناجون ، ثم يقول بعضهم لبعض .
قالوا : إن سبب نزول هذه الآية ما كان عند العرب من حُبٍّ للغة وشغف بأساليب البيان ؛ لذلك كانت معجزة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من جنس ما نبغ فيه قومه ، لتكون أوضح في التحدي ، هكذا شأن الحق سبحانه مع كل الرسل .
وكان للعرب أسواق للبيان والبلاغة يجتمع فيها أهل الشعر والبلاغة والفصاحة ، وفي مكة تصب كل الألسنة في مواسم الحج ، فعرفوا صفوة لغات الجزيرة وأساليبها ، ومن هنا انجذبوا لسماع القرآن ، وشغفوا ببيانه بما لديهم من أذن مُرْهفة للأسلوب وملَكة عربية أصيلة ، إلا أن القرآن له مطلوبات وتكاليف لا يقدرون عليها ، ولديه منهج سيُقوِّض مملكة السيادة التي يعيشون فيها .
ومن هنا كابروا وعاندوا ، ووقفوا في وجه هذه الدعوة ، وإنْ كانوا
تفسير الشعراوي — صفحة 8579
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٧٩