ومَنْ أحب أن يرى مساواة الخَلْق أمام الخالق سبحانه ، فلينظر إلى العبادات ، ففيها استطراق العبودية في الناس ، فحينما يُنادَى للصلاة مثلاً ترى الجميع سواسية : الغني والفقير ، والرئيس والمرؤوس ، الوزير مثلاً والخفير ، الكل راكع أو ساجد ، الكل خاضع لله مُتذلّل لله فقير لله ، الكل عبيد لله بعد أنْ خلعوا أقدارهم ، عندما خلعوا نعالهم ، ففي ساحة الرحمن يتساوى الجميع ، وتتجلى لنا هذه المساواة بصورة أوضح في مناسك الحج .
والأهم من هذا أن الرئيس أو الكبير لا يأنف ، ولا يرى غضاضة في أن يراه مرؤوسه وهو في هذا الموقف وفي هذا الخضوع والتذلُّل ، لماذا ؟ لأن الخضوع هنا والتذلُّل لله ، وهذا عين العِزَّة والشرف والكرامة .
ثم يقول تعالى : { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } [ الإسراء : 37 ]
في هذه العبارة نلحظ إشارة توبيخ وتقريع ، كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء المتكبرين ، ولأصحاب الكبرياء الكاذب : كيف تتكبرون وتسيرون فخراً وخيلاء بشيء موهوب لكم غير ذاتي فيكم ؟
فأنتم بهذا التكبُّر والتعالي لن تخرقوا الأرض ، بل ستظل صلبة تتحداكم ، وهي أدنى أجناس الوجود وتُدَاس بالأقدام ، وكذلك الجبال وهي أيضاً جماد ستظل أعلى منكم قامةً ولن تطاولوها . والحق
تفسير الشعراوي — صفحة 8547
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٤٧