تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8481

مساهمون:

ص٨٤٨١
إلى عنقك ، وحين تُقيّد اليد إلى العنق لا تستطيع الإنفاق ، فهي هنا كناية عن البُخْل والإمساك . وفي المقابل : { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط . . } [ الإسراء : 29 ] فالنهي هنا عن كل البَسْط ، إذن : فيُباح بعض البسْط ، وهو الإنفاق في حدود الحاجة والضرورة . وبَسْط اليد كناية عن البَذْل والعطاء ، وهكذا يلتقي هذا المعنى بمعنى كل من بذَر ومعنى بذَّر الذي سبق الحديث عنه . فبذّر : أخذ حفنة من الحبِّ ، وبَسَط بها يده مرة واحدة ، فأحدثتْ كومةً من النبات الذي يأكل بعضه بعضاً ، وهذا هو التبذير المنهيّ عنه ، أما الآخر صاحب الخبرة في عملية البذْر فيأخذ حفنة الحبِّ ، ويقبض عليها بعض الشيء بالقدر الذي يسمح بتفلّت حبات التقاوي واحدة بعد الأخرى ، وعلى مسافات متقاربة ومتساوية أي [ بَذَرَ ] . وهذا هو حدّ الاعتدال المرغوب فيه من الشرع الحكيم ، وهو الوسط ، وكلا طرفيه مذموم . وقد أتى هذا المعنى أيضاً في قول الحق سبحانه وتعالى : { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } [ الفرقان : 67 ] أي : اعتدال وتوسُّط . إذن : لا تبسط يدك كل البَسْط فتنفق كل ما لديْك ، ولكن بعض البَسْط الذي يُبقِى لك سيئاً تدخره ، وتتمكن من خلاله أنْ ترتقيَ بحياتك .