تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8459

مساهمون:

ص٨٤٥٩
ويُرْوَى أن خليل الله إبراهيم عليه السلام جاءه ضيف بلبل ، وأراد أن ينزل في ضيافته ، فسأله إبراهيم عليه السلام عن دينه فقال : مجوسي فأعرض عنه وتركه يذهب . فَسرْعان ما أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم مُعاتباً إياه في أمر هذا الضيف : يا إبراهيم لقد وَسعْتُه في مكي أعواماً عديدة ، أطعمه وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي ، وأنت تُعرض عنه وتريد أنْ تُغيّر دينه من أجل ليلة يبيتها عندك ، فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به ، وحكى له ما حدث ، فقال الرجل . نِعْم الرب ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه ، وشهد أن لا إله إلا الله ، وأنَ إبراهيم رسول الله . وقد رأى المستشرقون لضيق أُفُقهم وقلّة فقْههم لأسلوب القرآن الكريم ، رَأَوْا تناقضاً بين قوله تعالى : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً . . } [ لقمان : 15 ] وبين قوله تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [ المجادلة : 22 ] فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف لهما ، في حين ينهي عن مودّة مَنْ حَادّ الله ورسوله ؟ ولو فَهِم هؤلاء مُعْطيات الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الودّ ؛ لأن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ، ومع من يكره ، مع المؤمن ومع الكافر ، تُطعمه إذا جاع ، وتسقيه إذا عطش ، وتستره إنْ كان عرياناً ، أما المودة فلا تكون إلا لمَنْ تحب ؛ لأنها عمل قلبيّ .