فإذا قال لهم { أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ . . } [ النحل : 2 ] فهو يُوضِّح أنه لا إله غيره ، فلا تشركوا بي شيئاً ، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي يُنظِّم حياتكم وأُجازي عليه في الآخرة .
وإياكم أنْ تغترُّوا بأنِّي خلقتُ الأسباب مُسخرة لكم ؛ فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب ؛ فقد أردتُ الحياة بلاءً واختباراً ؛ وفي الآخرة لا سُلْطان للأسباب أبداً : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] .
وظاهر الأمر أن المُلْك لله في الآخرة ، والحقيقة أن المُلْك لله دائماً في الدنيا وفي الآخرة ؛ ولكنه شاء أنْ يجعلَ الأسباب المخلوقة بمشيئته تستجيب للإنسان ؛ فإياك أنْ تظنَّ أنك أصبحتَ قادراً ؛ فأنت في الحياة تملك أشياء ، ويملكك مَلِك أو حاكم مثلك ؛ فسُنَّة الكون أنْ يوجدَ نظامٌ يحكم الجميع .
ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها ؛ فلا مُلْكَ لأحدٍ غير الله ، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق ، تلك الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا ؛ لا حُكْمَ لك عليها في الآخرة ، بل ستكون شاهدة عليك .
فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في الدنيا ، فإنْ وجَّهتها إلى مأمور الله ؛ فأنت من عباده ، وإنْ لم تُوجهها إلى مطلوب الله ، فأنت من عبيده .
وبعد ذلك يُقدِّم لك سبحانه الحيثية التي تُعزِّز أمره بعبادته
تفسير الشعراوي — صفحة 7809
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٨٠٩