وفي هذا حنان من الحق على الخَلْق ، وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجبتْ ورفضتْ كُفْر بَعْضٍ من البشر بالله ؛ وطلبتْ أن تنتقمَ من الإنسان ، وقال لهم : « لو خلقتموهم لرحمتموهم ، دَعُوني وخَلْقي ؛ إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبُهم ؛ وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم » .
وقَوْل الحق سبحانه :
{ أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون } [ النحل : 2 ] .
هو جماعُ عقائدِ السماء للأرض ؛ وجماعُ التعبُّداتِ التي طلبها الله من خَلْقه لِيُنظِّم لهم حركة الحياة مُتساندةً لا مُتعاندةً .
فكأن :
{ أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون } [ النحل : 2 ] .
هي تفسيرٌ لِمَا أنزله الله على الملائكة من الرُّوح التي قُلْنا من قبل : إنها الروح الثانية التي يَجِيء بها الوَحْي ؛ وتحمِلُ منهجَ الله ليضمن لِلْمُعتنِق حياة لا يزول نَعيمها ولا المُتنعِّم بها ؛ وهي غَيْر الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان ، فالحياة تدبُّ فيه حركةً وحِساً ولكنها إلي الفناء .
وكأن الحق سبحانه من رحمته بخَلْقه أن أنزلَ لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلاً من أنْ يظلُّوا أَسْرى الحياة الفانية وحدها .
ومن رحمته أيضاً أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر مَنْ يكفر به ؛ ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا مِنْ مُحبٍّ ؛ فسبحانه يُحِب خَلْقه ، ويُحِب منهم أنْ يكونوا إليه مخلصين مؤمنين ، ويحب لهم أنْ ينعموا في آخرة لا أسبابَ فيها ؛ لأنهم سيعيشون فيها بكلمة « كُنْ » من المُسبّب .
تفسير الشعراوي — صفحة 7808
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٨٠٨