فمثلاً ، عندك بئر محفورة تخرج لك الماء ، فإما أنْ تحتفِظَ بها على حالها فلا تطمسها ، وإما أنْ تزيدَ في صلاحها بأنْ تبنيَ حولها ما يحميها من زحف الرمال ، أو تجعل فيها آلة رفع للماء تضخُّه في مواسير لتسهِّل على الناس استعمال ، وغير ذلك من أَوْجُه الصلاح .
ولذلك الحق سبحانه وتعالى يقول : { هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا } [ هود : 61 ] .
أي : أنشأكم من الأرض ، وجعل لكم فيها مُقوّمات حياتكم ، فإنْ أحببتَ أنْ تُثري حياتك فأعمِلْ عقلك المخلوق لله ليفكر ، والطاقة المخلوقة في أجهزتك لتعمل في المادة المخلوقة لله في الكون ، فأنت لا تأتي بشيء من عندك ، فقط تُعمِل عقلك وتستغل الطاقة المخلوقة لله ، وتتفاعل مع الأرض المخلوقة لله ، فتعطيك كل ما تتطلع إليه وكل ما يُثرِي حياتك ، ويُوفِّر لك الرفاهية والترقي .
فالذين اخترعوا لنا صهاريج المياه أعملُوا عقولهم ، وزادوا الصالح صلاحاً ، وكم فيها من مَيْزات وفَّرت علينا عناء رفع المياه إلى الأدوار العليا ، وقد استنبط هؤلاء فكرة الصهاريج من ظواهر الكون ، حينما رأوا السيل ينحدر من أعلى الجبال إلى أسفل الوديان ، فأخذوا هذه الفكرة ، وأفلحوا في عمل يخدم البشرية .
وكما يكون الإفساد في الماديات كمَنْ أفسدوا علينا الماء والهواء بالملوِّثات ، كذلك يكون في المعنويات ، فالمنهج الإلهي الذي أنزله الله تعالى لهداية الخلق وألزمنا بتنفيذه ، فكوْنُك لا تنفذ هذا المنهج ، أو تكتمه ، أو تُحرِّف فيه ، فهذا كله إفساد لمنهج الله تعالى .
تفسير الشعراوي — صفحة 8347
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٣٤٧