{ لِبَاسَ الجوع والخوف . . } [ النحل : 112 ] .
فجعل الجوع والخوف وكأنهما لباسٌ يلبسه الإنسان ، والمتأمل في الآية يطالع دقّة التعبير القرآني ، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف ، كيف ذلك ؟
الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن ، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم ، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم ، ثم بدأ ينحت العظام ، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً ، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً ، ثم ينكمش ويجفّ ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد ، وكأنه لباس يرتديه الجائع .
وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع ، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته ، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض : { تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً . . } [ البقرة : 273 ] .
وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب ، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك ، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص ، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله ، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه .
وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية ، وجعلها محسوسة تراها العيون ، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق ؛ لأنها أقوى الحواسّ .
وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم
تفسير الشعراوي — صفحة 8253
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٢٥٣