حتى إنهم كانوا يأكلون الجيف ، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه .
وظلوا على هذا الحال سبع سنين حتى ضَجُّوا ، وبلغ بهم الجَهْد والضَّنْك مُنْتهاه ، فأرسلوا وفداً منهم لرسول الله ، فقالوا : هذا عملك برجال مكة ، فما بال صبيانها ونسائها ؟ فكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب .
أما لباس الخوف فتمثَّل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من المدينة لترهبهم وتزعجهم ؛ ليعلموا أن المسلمين أصبحتْ لهم قوة وشوكة .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ . . . } .
رأينا كيف كانت النعمة تامة على أهل مكة ، وقد تمثلت هذه النعمة في كَوْنها آمنة مطمئنة ، وهذه نعمة مادية يحفظ الله بها القالب الإنساني ، لكنه ما يزال في حاجة إلى ما يحفظ قِيَمه وأخلاقه .
وهذه هي نعمة النعم ، وقد امتنَّ الله عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولاً منهم ، فما فائدة النعم المادية في بلد مهزوزة القيم ، مُنْحلة الأخلاق ، فجاءهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليُقوِّم ما اعوجّ من سلوكهم ، ويُصلح ما فسد من قِيَمهِم ومبادئهم .
وقوله : { مِّنْهُمْ . . . } [ النحل : 113 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 8255
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٢٥٥