فالإنسان يكظم غَيْظه في نفسه ، ويحتمل ما يَعتلج بداخله على المذنب دون أن يتعدَّى ذلك إلى الانفعال والردّ بالمثل ، ولكنه يظل يعاني ألم الغيظ بداخله وتتأجج ناره في قلبه .
لذلك يحسُن الترقي إلى المرتبة الأعلى ، وهي مرتبة العفو ، فيأتي الإنسان ويقول : لماذا أدَعْ نفسي فريسة لهذا الغيظ ؟ لماذا أشغل به نفسي ، وأُقَاسي ألمه ومرارته ؟ فيميل إلى أنْ يُريح نفسه ويقتلع جذور الغيظ من قلبه ، فيعفو عمَّنْ أساء إليه ، ويُخرِج المسألة كلها من قلبه .
فإنِ ارتقى الإنسان في العفو ، سعى المرتبة الثالثة ، وهي مرتبة أن تُحسن إلى مَنْ أساء إليك ، وتزيد عما فرضَ لك حيث تنازلتَ عن الردِّ بالمثل ، وارتقيتَ إلى درجة العارفين بالله ، فالذي اعتدى اعتدى بقدرته ، وانتقم بما يناسبه ، والذي ترقّى في درجات الإحسان ترك الأمر لقدرة الله تعالى ، وأيْن قدرتُك من قدرة ربك سبحانه وتعالى ؟
إذن : فالإحسان أجمل بالمؤمن ، وأفضل من الانتقام .
لكن كيف يصل الأمر إلى أنْ تعفوَ عمَّنْ أساء ، بل إلى أنْ تُحسِن إليه ؟
نقول : هَبْ أن لك ولديْن اعتدى أحدهما على الآخر وأساء إليه ، فماذا يكون موقفك منهما ؟ وإلى أيّهما يميل قلبك ؟
لا شكَّ أن القلب هنا يميل إلى المعتدى عليه ، وقد يتعدَّى الأمر
تفسير الشعراوي — صفحة 8166
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٦٦