إذن : فكلّ ما صدر عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعن الإجماع وعن الأئمة المجتهدين موجود في القرآن ، فهو إذن صادق .
ويجب هنا أن نُفرّق بين الأشياء والقضايا فهي كثيرة ، فما الذي يتعرّض له القرآن ؟ يتعرض القرآن للأحكام التكليفية المطلوبة من العبد الذي آمن بالله ، وهناك أمور كونية لا يتأثر انتفاع الإنسان بها بأنْ يعلمها ، فهو ينتفع بها سواء علمها أو جهلها ، فكوْنُ الأرض كُروية الشكل ، وكَوْنها تدور حول الشمس ، وغير هذه الأمور من الكونيات إنْ علمها فبها ونعمتْ ، وإنْ جهلها لا يمنعه جهله من الانتفاع بها .
فالأُميّ الذي يعيش في الريف مثلاً ينتفع بالكهرباء ، وهو لا يعلم شيئاً عن طبيعتها وكيفية عملها ، ومع ذلك ينتفع بها ، مجرد أن يضع أصبعه على زِرّ الكهرباء تُضيء له .
فلو أن الحق تبارك وتعالى أبان الآيات الكونية إبانةً واضحة ربما صَدَّ العرب الذين لا يعرفون شيئاً عن حركة الكون ، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مقاصد القرآن حول الآيات الكونية ؛ ولذلك سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الأهِلّة ، كما حكى القرآن الكريم : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة . . } [ البقرة : 189 ] .
والأهلة : جمع هلال ، وهو ما يظهر من القمر في بداية الشهر حيث يبدو مثل قلامة الظفر ، ثم يزداد تدريجياً إلى أنْ يصل إلى مرحلة البدر عند تمام استدارته ، ثم يتناقص تدريجياً أيضاً إلى أنْ يعودَ إلى ما كان عليه ، هذه عجيبة يرونها بأعينهم ، ويسألون عنها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8151
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٥١