ما توصّل إليه غيرهم ، فهل يسرقون الأمور النظرية أيضاً ؟ لا . . بل على العكس تجدهم يضعون الحواجز والاحتياطات لكي لا تنتقل هذه المبادئ إلى بلادهم وإلى أفكار مواطنيهم .
وقد جعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من نفسه مثالاً ونموذجاً لتوضيح هذه المسألة ، مع أنه قد يقول قائل : لا يصح في حَقّ رسول الله أن يُشير على الناس بشيء ويتضح خطأ مشورته ، إنما الرسول هنا يريد أنْ يُؤصّل قاعدة في نفوس المتكلمين في شؤون الدين : إياكم أنْ تُقحِموا أنفسكم في الأمور المادية المعملية التطبيقية ، فهذه أمور يستوي فيها المؤمن والكافر .
ولذلك عندما اكتشف العلماء كُروية الأرض ، وأنها تدور حول الشمس اعترض على ذلك بعض رجال الدين ووضعوا أنوفهم في قضية لا دَخْل للدين فيها ، وقد حذرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ذلك .
وما قولكم بعد أن صعد العلماء إلى كواكب أخرى ، وصوروا الأرض ، وجاءت صورتها كُروية فعلاً ؟ فلا تفتحوا على أنفسكم باسم الدين باباً لا تستطيعون غَلْقه .
وقوله تعالى :
{ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] .
الحق تبارك وتعالى وصف القرآن هنا بأنه ( هُدىً ) ، فإذا كان القرآن قد نزل تبياناً فكان التوافق يقتضي أن يقول : وهادياً ، لكن لم يَصف القرآن بأنه هادٍ ، بل هُدىً ، وكأنه نفس الهدى ؛ لأن هادياً ذاتٌ ثبت لها الهداية ، إنما هُدى : يعني هو جوهر الهدى ، كما
تفسير الشعراوي — صفحة 8154
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٥٤