ما الذي جهله الإنسان ؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة ، فظلم نفسه ، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لَقالَ : يا ربِّ اجعلني مثل السماء والأرض والجبال ، وما تُجريه عليَّ ، فأنا طَوْع أمرك .
ولذلك ، فمن عباد الله مَنْ قَبِل الاختيار وتحمَّل التكليف ، ولكنه خرج عن اختياره ومراده لمراد ربِّه وخالقه ، فقال : يا رب أنت خلقْتَ فينا اختياراً ، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل ، ولكنَّا تنازلنا عن اختيارنا لاختيارك ، وعن مرادنا لمرادك ، ونحن طَوْع أمرك . . هؤلاء هم عباد الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه سبحانه وتعالى .
إذن : هناك فَرْق بين مَنْ يفعل اختياراً مع قدرته على ألاَّ يفعل ، وبين مَنْ يفعل بالقهر والتسخير . . فالأول مع أنه قادر ألاَّ يفعل ، فقد غلَّب مُراد ربِّه في التكليف على مراد نفسه في الاختيار .
ثم ينتقل الحق تبارك وتعالى إلى قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان ، فيقول تعالى : { وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ . . . } .
وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مُراد ربِّه سبحانه ، فالعجيب أن البشر والجن أيضاً يعني الثقلين هم المختارون في الكون كله ، اختيار في أشياء وقَهْر في أشياء أخرى . . ومع ذلك لم يشذّ من خَلْق الله غيرهما .
تفسير الشعراوي — صفحة 7987
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٩٨٧