فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة : إما جماد ، فإذا وجدتَ خاصية النمو كان النبات ، وإذا وجدتَ خاصية الحركة والحسِّ كان الحيوان ، فإذا وجدتَ خاصية الفِكْر كان الإنسان ، وإذا وجدتَ خاصية العلم الذاتي النوراني كان المَلَك . . هذه هي الأجناس التي نعرفها .
الحق تبارك وتعالى ينقلُنا هنا نَقْلة من الظلال الساجدة ، للجمادات الثابتة ، إلى الشيء الذي يتحرك ، وهو وإنْ كان مُتحركاً إلا أن ظلّه أيضاً على الأرض ، فإذا كان الحق سبحانه قد قال :
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض . . } [ النحل : 49 ] .
فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله :
{ مِن دَآبَّةٍ والملائكة . . . } [ النحل : 49 ] .
أي : من أقلّ الأشياء المتحركة وهي الدابة ، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة . .
وقد يقول قائل : وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله ؟
نقول له : نعم . . لأنك فسرتَ السجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض ، ليدلّ على أن الذات بعلُوّها ودنُوّها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع ، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم .
والحق تبارك وتعالى يريد منّا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله ؛ لأن الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا ، في أنْ يؤمن أو يكفر ، في أن يطيع أو يعصي ، ولكن الله أعطاه الاختيار .
تفسير الشعراوي — صفحة 7978
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٩٧٨