إليه غَصْباً ، وبهذا القول يكشف الحق سبحانه عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدتْ في عالم الذَّرِّ أن الله واحد لا شريك له ، وأن القيامة والبعث حَقٌّ .
ولكن الذين لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم مَنْ ستروا عن أنفسهم فطرتهم ، فكلمة الكفر كما سبق أنْ قلنا هي ستر يقتضي مستوراً ، والكفر يستر إيمانَ الفطرة الأولى .
والذين يُنكرون الآخرة إنما يَحْرِمون أنفسهم من تصوُّر ما سوف يحدث حَتْماً ؛ وهو الحساب الذي سيجازي بالثواب والحسنات على الأفعال الطيبة ، ولعل سيئاتهم تكون قليلة ؛ فيجبُرها الحق سبحانه لهم وينالون الجنة .
والمُسْرفون على أنفسهم ؛ يأملون أن تكون قضيةُ الدين كاذبة ، لأنهم يريدون أن يبتعدوا عن تصوُّر الحساب ، ويتمنَّوْنَ ألاَّ يوجدَ حساب .
ويَصِفُهم الحق سبحانه :
{ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } [ النحل : 22 ] .
أي : أنهم لا يكتفُون بإنكار الآخرة فقط ؛ بل يتعاظمون بدون وجه للعظمة .
و « استكبر » أي : نصَّب من نفسه كبيراً دون أنْ يملكَ مُقوِّمات الكِبر ، ذلك أن « الكبير » يجب أن يستندَ لِمُقوِّمات الكِبَر ؛ ويضمن لنفسه أنْ تظلَّ تلك المُقوِّمات ذاتيةً فيه .
ولكِنَّا نحن البشر أبناءُ أغيارٍ ؛ لذلك لا يصِحُّ لنا أنْ نتكَبَّر ؛
تفسير الشعراوي — صفحة 7861
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٨٦١