على عواهنه « 1 » ؛ ولا يمرر الكلام على ذهنه ؛ ولذلك يقال عنه « مخرف » .
وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق ، وقلنا : إنه تطابق النسبة الكلامية مع الواقع ، والكذب هو ألّا تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع .
ومن يقول كلاما يعلم أنه لا يطابق الواقع ؛ يقال عنه : إنه متعمّد الكذب ، ومن يقول كلاما بغالبية الظن أنه لا يطابق الواقع ، ونقله عن غيره ؛ فهو يكذب دون أن يحسب كذبه افتراء . والإنسان الذي يتوخّى الدّقة ينقل الكلام منسوبا إلى من قاله له ؛ فيقول « أخبرني فلان » فلا يعدّ كاذبا .
ولذلك أقول دائما : يجب أن يفرّق العلماء بين كذب المفتين ، وكذب الخبر ؛ وكذب المخبر . فالخبر الكاذب مسؤول عنه من تعمّد الكذب ، أما الناقل للخبر ما دام قد نسبه إلى من قاله ، فموقفه مختلف .
وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين ؛ قراءة هي : « وظنوا أنهم قد كذبوا » أي : حدّثهم غيرهم كذبا ؛ وقراءة ثانية « 2 » هي : « وظنوا أنهم قد كذّبوا » وهي تعنى : أنهم قد
هامش
( 1 ) ألقى الكلام على عواهنه : لم يتدبره . وقيل : هو إذا لم يبل أصاب أم أخطأ . وعهن الشئ إذا حضر ، أي : أرسل الكلام على ما حضر منه وعجل من خطأ وصواب . [ لسان العرب - مادة : عهن ] .
( 2 ) هناك قراءة ثالثة ذكرها القرطبي في تفسيره ( 5 / 3611 ) قال : « قرأ مجاهد وحميد :
« قد كذبوا » بفتح الكاف والذال مخفّفا ، على معنى : وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا ، لما رأوا من تفضّل اللّه عز وجل في تأخير العذاب » .