ظنّوا أن ما قيل لهم من كلام عن النصر هو كذب .
ولقائل أن يسأل : كيف يظن الرسل « 1 » ذلك ؟
وأقول : إن الرسول حين يطلب من قومه الإيمان ؛ يعلم أن ما يؤكّد صدق رسالته هو مجىء النصر ؛ وتمرّ عليه بعض من الخواطر خوفا أن يقول المقاتلون الذين معه : « لقد كذب علينا » ؛ لأن الظن إخبار بالراجح .
ولا يخطر على بال الرسل أن اللّه سبحانه وتعالى - معاذ اللّه - قد كذبهم وعده ، ولكنهم ظنّوا أن النصر سيأتيهم بسرعة ؛ وأخذوا بطء مجىء النصر دليلا على أن النصر لن يأتي .
أو : أنهم خافوا أن يكذّبهم الغير .
ولذلك نجد الحق سبحانه يعلم رسله أن النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه ، ولا يعرفه أحد ، فسبحانه لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد .
ويقول سبحانه :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا . .
( 110 ) [ يوسف ]
هامش
( 1 ) سأل عروة بن هشام عائشة رضى اللّه عنها عن قول اللّه عز وجل :حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . .( 110 ) [ يوسف ] فقال : أكذبوا أم كذّبوا ؟ قالت عائشة : كذّبوا . قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم ، فما هو بالظن ؟ قالت : أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك . فقلت لها :وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا . .( 110 ) [ يوسف ] قالت : معاذ اللّه ، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها .
قلت ، فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم كذّبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك . أخرجه البخاري في صحيحه ( 4695 ) وأورده القرطبي في تفسيره ( 5 / 3611 ) .