ويا ليت الأمر قد اقتصر على النكال « 1 » الذي حدث لهم في الدنيا ؛ بل هناك نكال أشدّ وطأة في انتظارهم في الآخرة .
يقول الحق سبحانه :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 109 ) [ يوسف ]
وحديث الحق سبحانه عن مصير الذين كذّبوا ؛ يظهر لنا كمقابل لما ينتظر المؤمنين ، ولم تذكر الآية مصير هؤلاء المكذّبين بالتعبير المباشر ، ويسمّون ذلك في اللغة بالاحتباك « 2 » .
مثل ذلك قوله الحق :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها . .
( 41 ) [ الرعد ]
وكل يوم تنقص أرض الكفر ، وتزيد رقعة الإيمان .
وهكذا يأتي العقاب من جانب اللّه ، ونأخذ المقابل له في الدنيا ؛ ومرة يأتي بالثواب المقيم للمؤمنين ، ونأخذ المقابل في الآخرة .
ولقائل أن يقول : ولماذا لم يقل الحق سبحانه أنه سوف يأتي لهم بما هو أشدّ شرا من عذاب الدنيا في اليوم الآخر ؟
هامش
( 1 ) النكال : التنكيل والعقوبة الشديدة الزاجرة . قال تعالى :وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ . .( 38 ) [ المائدة ] أي : عقوبة زاجرة فرضها اللّه ليتعظ بها الناس . [ القاموس القويم 2 / 288 ] .
( 2 ) هو نوع من أنواع الحذف ، قال السيوطي : « هو من ألطف الأنواع وأبدعها ، وقلّ من تنبه له أو نبّه عليه من أهل فن البلاغة ، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول ، ومثاله قوله تعالى :وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ . .( 171 ) [ البقرة ] . التقدير : ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق ، والذي ينعق به ، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة «الَّذِي يَنْعِقُ» عليه ، ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة «الَّذِينَ كَفَرُوا» عليه » [ الإتقان في علوم القرآن 3 / 182 ] .