ويقول الحق سبحانه عن هؤلاء الرسل السابقين أنهم :
مِنْ أَهْلِ الْقُرى . .
( 109 ) [ يوسف ]
والقرية كانت تأخذ نفس مكانة المدينة في عالمنا المعاصر . وأنت حين تزور أهل المدينة تجد عندهم الخير عكس أهل البادية ، فالبدوىّ من هؤلاء قد لا يجد ما يقدّمه لك ، فقد يكون ضرع الماشية قد جفّ ؛ أو لا يجد ما يذبحه لك من الأغنام .
والفارق بين أهل القرية وأهل البادية أن أهل القرية لهم توطّن ؛ ويملكون قدرة التعايش مع الغير ، وترتبط مصالحهم ببعضهم البعض ، وترقّ حاشية « 1 » كل منهم للآخر ، وتتسع مداركهم بمعارف متعددة ، وليس فيهم غلظة أهل البادية .
فالبدوىّ من هؤلاء لا يملك إلا الرّحل على ظهر جمله ؛ ويطلب مساقط المياه ، وأماكن الكلأ « 2 » لما يرعاه من أغنام .
وهكذا تكون في أهل القرى رقّة وعلم وأدب تناول وتعامل ؛ ولذلك لم يأت رسول من البدو كي لا تكون معلوماته قاصرة ، ويكون جافا ، به غلظة قول وسلوك .
والرسول يفترض فيه أن يستقبل كل من يلتقى به بالرّفق واللّين وحسن المعاشرة ؛ لذلك يكون من أهل القرى غالبا ؛ لأنهم ليسوا قساة ؛ وليسوا على جهل بأمور التعايش الاجتماعي .
هامش
( 1 ) الحاشية : الجانب والناحية . أي : أنه يكون مهذبا دمث الطباع ، حسن السمت ، لين الجانب ، سليم الطوية .
( 2 ) الكلأ : العشب والبقل . وقيل : هو العشب رطبه ويابسه . [ لسان العرب - مادة :
كلأ ] .