تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 7673

مساهمون:

ص٧٦٧٣
أفاض اللّه على الغنى من رزق ، وإن رأيت عاجزا عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحدا آخر قد ضنّ عليه بقوته . وإن رأيت جاهلا ؛ فاعلم أن عالما قد ضنّ عليه بعلمه . وإن رأيت أخرق « 1 » فاعلم أن حكيما قد ضنّ عليه بحكمته ؛ فكلّ شئ مخزون في الحياة ؛ حتى تسلم حركة الحياة ؛ سلامة تؤدى إلى التساند والتعاضد ؛ لا إلى التعاند والتضارب . ونعلم أنه سبحانه قد أعدّ لنا الكون بكل ما فيه قبل أن يخلقنا ؛ ولم يكلّفنا قبل البلوغ ؛ ذلك أنه علم أزلا أن التكليف يحدّد اختيار الإنسان لكثير من الأشياء التي تتعلق بكل ملكات النفس ؛ قوتا ومشربا وملبسا ومسكنا وضبطا للأهواء ، كي لا ننساق في إرضاء الغرائز على حساب القيم . وشاء سبحانه ألّا يكون التكليف إلا بعد البلوغ ؛ حتى تستوفى ملكات النفس القوة والاقتدار ، ويكون قادرا على إنجاب مثيل له ، ولكي يكون هذا التكليف حجّة على الإنسان ، هذا الذي طمر له الحق سبحانه كل شئ إمّا في الأرض ؛ أو كان طمرا في النوع ، أو في الجنس . وكلّ شئ في الكون موزون ، إما أن يكون جنسا ، أو نوعا ، أو أفرادا ؛ والميزان الذي توجد به كل تلك العطاءات ؛ إنما شاء به الحق سبحانه أن يهب الرب للكل ؛ وليوافق الكثرة ؛ وليعيش الإنسان في حضن الإيمان . وهكذا يكون عطاء اللّه لنا عطاء ربوبية ، وعطاء ألوهية ، والذكىّ حقا هو من يأخذ العطاءين معا لتستقيم حياته .
هامش
( 1 ) الأخرق : الأحمق الجاهل الذي لا يحسن عمله . [ لسان العرب - مادة : خرق ] .